الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
149
مختصر الامثل
التقوى التي وردت في الآية بعنوان الهدف النهائي للصوم « 1 » . إنّ التعبير ب ( الأكل ) يعطي معنىً واسعاً حيث يشمل كل أنواع التصرفات ، أي أنّه تعبير كنائي عن أنواع التصرّفات ، و ( الأكل ) هو أحد المصاديق البارزة له . ثم يشير في ذيل الآية إلى نموذج بارز لأكل المال بالباطل والذي يتصور بعض الناس أنّه حق وصحيح لأنّهم أخذوه بحكم الحاكم فيقول : « وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ » . وباء الرشوة : من الأوبئة الاجتماعية التي ابتلي بها البشر منذ أقدم العصور وباء الإرتشاء ، وكانت هذه الظاهرة المرضيّة دوماً من موانع إقامة العدالة الاجتماعية ومن عوامل جرّ القوانين لصالح الطبقات المقتدرة ، بينما سُنت القوانين لصيانة مصالح الفئات الضعيفة من تطاول الفئات القوية عليهم . ولهذا شدد الإسلام على مسألة الرشوة وأدانها وقبّحها واعتبرها من الكبائر . جدير بالذكر أنّ قبح الرشوة قد يدفع بالراشين إلى أن يغطّوا رشوتهم بقناع من الأسماء الأخرى كالهدية ونظائرها ، ولكن هذه التغطية لا تغيّر من ماهية العمل شيئاً ، والأموال المستحصلة عن هذا الطريق محرمة غير مشروعة . وهذا « الأشعث بن قيس » يتوسل بهذه الطريقة ، فيبعث حلوى لذيذة إلى بيت أمير المؤمنين علي عليه السلام أملًا في أن يستعطف الإمام تجاه قضيةٍ رفعها إليه ، ويسمي ما قدّمه هدية ، فيأتيه جواب الإمام صارماً قاطعاً ، قال عليه السلام : « هبلتك الهبول ، أعن دين اللَّه أتيتني لتخدعني ؟ . . . واللَّه لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي اللَّه في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته وإنّ دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها ما لعليّ ولنعيم يفنى ولذة لا تبقى » « 2 » . ذم الإسلام الرشوة حتى أنّ أحد الولاة تسلم بعنوان هدية فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : « هلا جلست في دارك لتأتيك هدية » ؟ « 3 » أين المسلمين اليوم من هذه التعاليم الدقيقة الصارمة الهادفة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية بشكل حقيقي عملي في الحياة ؟ !
--> ( 1 ) تفسير في ظلال القرآن 1 / 252 . ( 2 ) نهج البلاغة ، الخطبة 224 . ( 3 ) الإمام علي عليه السلام صوت العدالة الإنسانية 1 / 184 .